علي بن محمد البغدادي الماوردي
307
أدب الدنيا والدين
أتحسب أن البؤس للحر دائم * ولو دام شيء عدّه الناس في العجب لقد عرفتك الحادثات ببؤسها * وقد أدّبت إن كان ينفعك الأدب ولو طلب الإنسان من صرف دهره * دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب ومنها أن يغرى « 1 » بملاحظة من حيطت سلامته وحرست نعمته حتى التحف « 2 » بالأمن والدعة واستمتع بالثروة والسعة ويرى أنه قد خص من بينهم بالرزية بعد أن كان مساويا وأفرد بالحادثة بعد أن كان مكافيا فلا يستطيع صبرا على بلوى ولا يلزم شكرا على نعمى ولو قابل بهذه النظرة ملاحظة من شاركه في الرزية وساواه في الحادثة لتكافأ الأمران فهان عليه الصبر وحان منه الفرج . وأنشدت لامرأة من العرب : أيها الإنسان صبرا * إن بعد العسر يسرا كم رأينا اليوم حرّا * لم يكن بالأمس حرّا ملك الصبر فأضحى * مالكا خيرا وشرّا اشرب الصبر وإن كا * ن من الصبر أمرّا وأنشدت لبعض أهل الأدب : يراع الفتى للخطب تبدو صدوره * فيأسى وفي عقباه يأتي سروره ألم تر أن الليل لما تراكمت « 3 » * دجاه بدا وجه الصباح ونوره فلا تصحبنّ اليأس إن كنت عالما * لبيبا فإن الدهر شتى أموره واعلم أنه قل من صبر على حادثة وتماسك في نكبه إلّا كان انكشافها وشيكا وكان الفرج منه قريبا . أخبرني بعض أهل الأدب أن أبا أيوب الكاتب حبس في السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته وقل صبره فكتب إلى بعض إخوانه يشكو له طول حبسه فردّ عليه جواب رقعته بهذا : صبر أبا أيوب صبر مبرح * فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها
--> ( 1 ) أن يغرى : أن يولع بحرص . ( 2 ) التحف : تسر بل وتغطي . ( 3 ) تراكمت : يقال تراكم الشيء إذا اجتمع على آخره ، والدجى : الظلام .